أحمد بن محمد المقري التلمساني

336

نفح الطيب من غصن الأندلس الرطيب

[ من شعر ابن عبد ربه ومن سعة اطلاع ابن زيدون ] وقال مؤلف كتاب « واجب الأدب » : مما يجب حفظه من مخترعات الأندلسيين قول ابن عبد ربه « 1 » : [ الكامل ] يا ذا الذي خطّ العذار بخدّه * خطّين هاجا لوعة وبلابلا ما كنت أقطع أنّ لحظك صارم * حتى حملت من العذار حمائلا وحكي أنّ الوزير أبا الوليد بن زيدون « 2 » توفيت ابنته ، وبعد الفراغ من دفنها وقف للناس عند منصرفهم من الجنازة ليتشكّر لهم ، فقيل : إنه ما أعاد في ذلك الوقت عبارة قالها لأحد ، قال الصّفدي : وهذا من التوسّع في العبارة ، والقدرة على التفنّن في أساليب الكلام ، وهو أمر صعب إلى الغاية ، وأرى أنه أشقّ ممّا يحكى عن واصل بن عطاء أنه ما سمعت منه كلمة فيها راء ؛ لأنه كان يلثغ بحرف الراء لثغة قبيحة ، والسبب في تهوين هذا الأمر وعدم تهويله أنّ واصل بن عطاء كان يعدل إلى ما يرادف تلك الكلمة ممّا ليس فيه راء ، وهذا كثير في كلام العرب ، فإذا أراد العدول « 3 » عن لفظ فرس قال جواد أو ساع أو صافن ، أو العدول عن رمح قال قناة أو صعدة أو يزني أو غير ذلك ، أو العدول عن لفظ صارم قال حسام أو لهذم أو غير ذلك ، وأمّا ابن زيدون فأقول في حقّه إنه أقلّ مما كان في تلك الجنازة ، وهو وزير ، ألف رئيس ممّن يتعيّن عليه أن يتشكّر له ، ويضطر إلى ذلك ، فيحتاج في هذا المقام إلى ألف عبارة مضمونها الشكر « 4 » ، وهذا كثير إلى الغاية ، لا سيما من محزون ، فقد قطعة من كبده : [ الطويل ] ولكنه صوب العقول إذا انبرت * سحائب منه أعقبت بسحائب وقد استعمل الحريري هذا في مقاماته عندما يذكر طلوع الفجر ، وهو من القدرة على الكلام ، وأرى الخطيب بن نباتة ممن لا يلحق في هذا الباب ، فإنه أملى مجلدة معناها من أوّلها إلى آخرها « يا أيها الناس اتّقوا اللّه واحذروه فإنكم إليه راجعون » ، وهذا أمر بارع معجز ، والناس يذهلون عن هذه النكتة فيه ، انتهى كلام الصّفدي ملخّصا . وقال في الوافي ، بعد ذكره جملة من أحوال ابن زيدون ما نصّه : وقال بعض الأدباء : من

--> ( 1 ) انظر المطمح ص 52 . ( 2 ) انظر الذخيرة 1 / 1 : 200 . ( 3 ) ومن ذلك قوله في بشار بن برد : « أما لهذا الزنديق الملقب أبا معاذ من يقتص منه ؟ أما واللّه لولا أن الغيلة من أخلاق الغالية لبعثت إليه من يبعج بطنه . . إلخ » . ( 4 ) في ه : « مضمونها التشكّر » .